الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
56
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسترسلين في ذلك الملابسين له هم أهل النفاق ، فهم المعرّض لهم بالتهديد في قوله : فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . وقد جمعت هذه الآية أصنافا من العلاقات وذويها ، من شأنها أن تألفها النفوس وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها ، فإذا كان الثبات على الإيمان يجرّ إلى هجران بعضها كالآباء والإخوان الكافرين الذين يهجر بعضهم بعضا إذا اختلفوا في الدين ، وكالأبناء والأزواج والعشيرة الذين يألف المرء البقاء بينهم ، فلعلّ ذلك يقعده عن الغزو ، وكالأموال والتجارة التي تصدّ عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل اللّه . وكذلك المساكن التي يألف المرء الإقامة فيها فيصدّه إلفها عن الغزو . فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده اللّه من المؤمنين وبين ما تجرّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربّه . وقد أفاد هذا المعنى التعبير ب أَحَبَّ لأنّ التفضيل في المحبّة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين ، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسبّبا على تقديم محبّة تلك العلائق على محبّة اللّه ، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير . وخصّ الجهاد بالذكر من عموم ما يحبّه اللّه منهم : تنويها بشأنه ، ولأنّ ما فيه من الخطر على النفوس ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف ، جعله أقوى مظنّة للتقاعس عنه ، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلّف عنها كثير من المنافقين وبعض المسلمين . و ( العشيرة ) الأقارب الأدنون ، وكأنه مشتقّ من العشرة وهي الخلطة والصحبة . وقرأ الجمهور وَعَشِيرَتُكُمْ - بصيغة المفرد - وقرأه أبو بكر عن عاصم وعشيراتكم - جمع عشيرة - ووجهه : أنّ لكلّ واحد من المخاطبين عشيرة ، وعن أبي الحسن الأخفش : « إنّما تجمع العرب عشيرة على عشائر ولا تكاد تقول عشيرات » ، وهذه دعوى منه ، والقراءة رواية فهي تدفع دعواه . والاقتراف : الاكتساب ، وهو مشتقّ من قارف إذا قارب الشيء . والكساد ، قلّة التبايع وهو ضدّ الرّواج والنّفاق ، وذلك بمقاطعة طوائف من المشركين الذين كانوا يتبايعون معهم ، وبالانقطاع عن الاتّجار أيام الجهاد . وجعل التفضيل في المحبّة بين هذه الأصناف وبين محبّة اللّه ورسوله والجهاد : لأنّ